محمد راغب الطباخ الحلبي

533

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

وسمع بمصر والإسكندرية والحرمين وحلب وحماة وحمص وبعلبك والقدس ونابلس وغيرها . ونسخ بخطه المليح المتقن كثيرا لنفسه ولغيره ، وقرأ الكثير ، وبرع في اللغة والتصريف ، وانتهت إليه الإمامة في علم الحديث ، مع الصدق والإتقان وحسن الأخلاق وكثرة السكون وقلة الكلام وكثرة التواضع والحلم والصبر والإقتصاد في المأكل والملبس ، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية وغيرها ، وصنف كتاب « تهذيب الكمال في أسماء الرجال » في مائتين وخمسين جزءا ، وهو كتاب حافل عديم النظير ، وكتاب « الإطراف » في ستة وثمانين جزءا . وأوضح في هذين الكتابين مشكلات لم يسبق إليها ، وقد ملكت الكتابين بخطه والحمد للّه وهو شيخي الذي انتفعت به كثيرا في هذا العلم . وكان إماما في السنة ماشيا على طريقة سلف الأمة ، ممرا للآيات والأحاديث كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تعطيل . وكان صحيح الذهن حسن الفهم سريع الإدراك يرد في الإسناد والمتن ردا ينبهر له فضلاء الحاضرين ، وربما يكون في أثناء ذلك يطالع وينقل الطاق . وقد ترافق هو وشيخنا العلامة أبو العباس [ ابن تيميّة ] كثيرا في الطلب وسماع الحديث وانتفع كل واحد منهما بالآخر . وذكره الحافظ فتح الدين أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري فقال : ووجدت بدمشق من أهل هذا العلم الإمام المقدم ، والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه وتقدم ، أبا الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن المزي بحر هذا العلم الزاخر ، وحبره الذي يقول من رآه : كم ترك الأول للآخر ، أحفظ الناس للتراجم ، وأعلمهم بالرواة من أعارب وأعاجم ، لا يخص معرفته مصرا دون مصر ، ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر ، معتمدا آثار السلف الصالح ، مجتهدا فيما نيط به في حفظ السنة من النصايح ، معرضا عن الدنيا وأسبابها ، مقبلا على طريقته التي أربى بها على أربابها ، لا يبالي ما ناله من الأزل ، ولا يخلط جده بشيء من الهزل . وضع كتابه « تهذيب الكمال في أسماء الرجال » وضعا استخرج به العلم من معادنه ، واستنبطه من مكامنه ، وأثبته كما ينبغي في أماكنه ، فاستولى به على أمد الإحسان ، واحتوى به من السبق ما لم يدركه في عصره إنسان ، ولم يقع له أبدع من هذا التصنيف ، ولا أبرع من هذا التأليف ، وإن كان بما يصنعه بصيرا ، وبالسبق في كل ما يأتيه جديرا ، وهو أيضا في حفظ اللغة إمام ، وله بأوزان القريض معرفة وإلمام ، فكنت أحرص على فوائده لأحرز منها ما أحرز ، وأستفيد من حديثه الذي إن طال لم يمل وإن أوجز وددت أنه لم يوجز .